الشنقيطي
165
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
نحيل العظام يابسها ؛ يقال منه للعود اليابس : عود عات وعاس . وقد عتا يعتو عتوا وعتيا . وعسا يعسو عسيا وعسوا . وكل متناه إلى غاية في كبر أو فساد أو كفر فهو عات وعاس . تنبيه فإن قيل : ما وجه استفهام زكريا في قوله أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ مع علمه بقدرة اللّه تعالى على كل شيء . فالجواب من ثلاثة أوجه قد ذكرناها في كتابنا ( دفع إيهام الاضطراب عند آيات الكتاب ) في سورة « آل عمران » وواحد منها فيه بعد وإن روي عن عكرمة والسدي وغيرهما . الأول - أن استفهام زكريا استفهام استخبار واستعلام ؛ لأنه لا يعلم هل اللّه يأتيه بالولد من زوجة العجوز على كبر سنّهما على سبيل خرق العادة . أو يأمره بأن يتزوج شابة ، أو يردهما شابين ؟ فاستفهم عن الحقيقة ليعلمها . ولا إشكال في هذا ، وهو أظهرها . الثاني - أن استفهامه استفهام تعجب من كمال قدرة اللّه تعالى . الثالث - وهو الذي ذكرنا أن فيه بعدا هو ما ذكره ابن جرير « 1 » عن عكرمة والسدي : من أن زكريا لما نادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن اللّه يبشرك بيحيى ، قال له الشيطان : ليس هذا نداء الملائكة ، وإنما هو نداء الشيطان ، فداخل زكريا الشك في أن النداء من الشيطان ، فقال عند اللّه الشك الناشئ عن وسوسة الشيطان قبل أن يتيقن أنه من اللّه : أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ولذا طلب الآية من اللّه على ذلك بقوله : رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً [ مريم : 10 ] الآية . وإنما قلنا : إن هذا القول فيه بعد لأنه لا يلتبس على زكريا نداء الملائكة بنداء الشيطان . وقوله في هذه الآية الكريمة « عتيّا » أصله عتوا ، فأبدلت الواو ياء . ومن إطلاق العتى الكبر التناهي قول الشاعر : إنما يعذر الوليد ولا يع * ذر من كان في الزمان عتيا وقراءة « عسيا » بالسين شاذة لا تجوز القراءة بها . وقال القرطبي : وبها قرأ ابن عباس ، وهي كذلك في مصحف أبي . قوله تعالى : قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً ( 9 ) [ 9 ] . هذا الذي ذكره تعالى في هذه الآية الكريمة - ذكره أيضا في « آل عمران » في قوله :
--> ( 1 ) أخرجه عن السدي ابن جرير الطبري في جامع البيان 16 / 39 .